السيد محمد الحسيني الشيرازي
433
الفقه ، الرأي العام والإعلام
أن تعطيل هذه الطاقات هو علّة العلل في فساد المجتمعات والانحراف وتراكم الخصومات وما أشبه ذلك . فالفراغ يوجب القلق والانغلاق والخيالات الباطلة والأفكار المنحرفة . وكان أحد وزراء الغرب إبان الحرب العالمية الثانية ممن كانوا داخلين في قمّة الحرب إلى جانب رئيسهم ، كان يعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم الواحد ، وقد سئل في إحدى المرّات : هل تشعر بالقلق ؟ فنفى ذلك قائلا : « إنّني مشغول أكثر الأوقات بكثرة الأعمال ولا مجال لي للقلق » ، لذا لا نجد بين العلماء والمحقّقين والمتعبّدين من ينتابهم الانهيار العصبي ؛ لأنّهم لا يشعرون بالقلق الذي يترادف دائما مع الفراغ ، ولذا يقول علماء النفس : « إنّ أفضل وسيلة للقضاء على القلق والأمراض العصبية هو الانشغال الدائم بالعمل الفكري والجسدي » ، فالانشغال هو أفضل دواء لداء القلق ، وينتاب القلق الإنسان في ساعات الاستراحة وليس في ساعات العمل ولو كانت هذه الساعات قليلة جدّا . لذا فاللازم للإنسان أن يضع برنامجا متكاملا لأوقات فراغه ولو بقيامه بعد نصف الليل سواء كان هذا العمل مطالعة أو دراسة أو رياضة أو قراءة القرآن أو الدعاء أو مطالعة كتاب مفيد أو الانشغال في صلاة الليل أو ما أشبه ذلك ، وفي الدعاء المروي عن الإمام علي بن الحسين عليه السّلام : ( واشغل قلوبنا بذكرك عن كلّ ذكر ، وألسنتنا بشكرك عن كلّ شكر ، وجوارحنا بطاعتك عن كلّ طاعة ، فإن قدّرت لنا فراغا عن شغل فاجعله فراغ سلامة لا تدركنا فيه تبعة ، ولا تلحقنا معه سيئة ، حتّى ينصرف كتّاب السيئات عنا بصحف خالية من ذكر سيئاتنا ، ويتولّى كتّاب الحسنات عنّا مسرورين ) « 1 » ، وفي الرواية : إنّ كلّ ساعة من ساعات الإنسان يؤتى بها في يوم القيامة كصندوق مغلق فيفتح صندوق منها وإذا فيه أنوار وأزهار وأشياء جميلة هي ساعات صرفها في طاعة الله سبحانه وتعالى لا في العبادة فقط وإنّما في الاكتساب ، فالكاسب حبيب الله ، ويفتح الصندوق ثانية ، فإذا في الصندوق
--> ( 1 ) دعوات الراوندي : ص 132 ح 329 .